يرى محمد سرميني، مدير مركز جسور للدراسات، أن التوسع الإسرائيلي يتجاوز توجهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إذ يرتبط بمنظومة سياسية واجتماعية ومؤسسية تواصل دعم المطالب التوسعية حتى مع تغير القيادة السياسية. ويحذر سرميني من أن التعويل على تغيير الحكومة الإسرائيلية وحده، أو انتظار عودة تيار سياسي أكثر اعتدالًا، لا يكفي لضمان تغيير مسار هذه السياسات.

 

ونشر موقع «نون بوست»، هذا التحليل الذي تناول فيه تقريرًا أصدرته الأكاديمية الوطنية للاستخبارات في تركيا خلال أكتوبر، بعنوان «تشريح التوسع الإسرائيلي». ويبحث التقرير الأسس الأيديولوجية والسياسية والمؤسسية للسياسات التوسعية الإسرائيلية، والآليات التي تحول الرؤى والمطالب السياسية إلى وقائع راسخة على الأرض.

 

 

التوسع الإسرائيلي.. من السيطرة على الأرض إلى ترسيخ الوقائع

 

يتناول التقرير ثلاثة أبعاد مترابطة للتوسع الإسرائيلي، تشمل السيطرة على الأراضي، وترسيخ هذه السيطرة عبر المؤسسات والقوانين والتدابير الإدارية، وإعادة تشكيل التوزيع الديموجرافي للسكان. كما يرصد دور الخطاب الديني والتاريخي، وتصاعد نفوذ اليمين المتطرف، والقدرات العسكرية، والدعم الأمريكي في دفع هذا التوسع واستمراره.

 

ويحلل التقرير التحركات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا وشرق البحر المتوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والبلقان، واضعًا إياها في سياق أوسع من التنافس على النفوذ الإقليمي وحرية التحرك الاستراتيجي.

 

ويخصص التقرير جزءًا لتداعيات هذه السياسات على تركيا، مستعرضًا التباين بين رؤيتين للأمن الإقليمي؛ تقوم الأولى على تعزيز قدرات الدول المحيطة وسيادتها، بينما تسعى الثانية إلى الحد من قدراتها العسكرية والاستراتيجية، مع منح إسرائيل مجالًا أوسع للتدخل في محيطها.

 

ويحذر التقرير من اختزال التوسع الإسرائيلي في توجهات نتنياهو الشخصية، معتبرًا أن جذوره أعمق من ذلك، إذ ترتبط بمنظومة سياسية واجتماعية ومؤسسية تحافظ على المطالب التوسعية حتى إذا تغيرت القيادة السياسية. ولذلك، لا يكفي انتظار تغيير الحكومة الإسرائيلية أو عودة تيار سياسي أكثر اعتدالًا لضمان تحول جوهري في المسار.

 

وتكتسب هذه الخلاصة أهميتها من نقل النقاش من السياسات الإسرائيلية الآنية إلى طبيعة الدولة واتجاهات مؤسسات صنع القرار فيها. فبعدما كانت تيارات اليمين المتطرف على هامش النظام السياسي، انتقلت إلى مركزه، فيما أصبحت الشبكات المرتبطة بحركة الاستيطان جزءًا من آليات اتخاذ القرار وتنفيذه داخل الوزارات والجهاز البيروقراطي الحكومي.

 

وبذلك، لم يعد الاستيطان مجرد مشروع تدفع جماعات أيديولوجية الدولة إلى تبنيه، بل تحول إلى إحدى أدوات الدولة نفسها لفرض وقائع جديدة على الأرض وترسيخها.

 

وتدفع هذا المسار ثلاثة عناصر متفاعلة؛ أولها توظيف السرديات الدينية والتاريخية لإضفاء الشرعية على المطالب الإقليمية، وثانيها تقديم التوسع باعتباره ضرورة أمنية لا يمكن التخلي عنها، وثالثها تحويل هذه الأفكار إلى سياسات وقوانين وترتيبات ميدانية يصعب التراجع عنها.

 

وتزداد خطورة هذه العملية حين تخلق الوقائع الجديدة مخاوف أمنية إضافية، ثم تُستخدم تلك المخاوف لتبرير مزيد من التدخل والتوسع.

 

ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات أو التيارات السياسية الإسرائيلية تتبنى موقفًا واحدًا، أو أن التوسع حتمي ولا يمكن تغيير مساره. لكنه يعني أن التعامل معه باعتباره نزوة سياسية عابرة يمثل خطأ استراتيجيًا. ويتطلب أي تحول حقيقي تغيير الحوافز السياسية والأمنية التي تسمح باستمرار هذا المسار، ورفع تكلفة الانتهاكات المصاحبة له، وإزالة الظروف الإقليمية والدولية التي تسهّل حدوثها.

 

 

أهداف التوسع تتجاوز الأراضي وتهدد الأمن الإقليمي

 

لا تقتصر الأهداف المحتملة للتوسع الإسرائيلي على السيطرة على مزيد من الأراضي، إذ يسعى هذا التوجه، وفقًا للتحليل، إلى إضعاف القدرات العسكرية للدول المحيطة وفرض ترتيبات أمنية تتجاوز الحدود المعترف بها دوليًا، بما يمنح إسرائيل حرية أكبر في تنفيذ العمليات العسكرية والاستخباراتية، ويحول دون بروز قوى إقليمية قادرة على تقييد تحركاتها أو موازنة نفوذها.

 

وتكشف الحالة السورية عن جانب من هذه الرؤية؛ إذ يتقاطع السعي إلى الحد من قدرة الدولة السورية على إعادة بناء مؤسساتها العسكرية مع الرغبة في كبح تنامي النفوذ التركي داخل سوريا.

 

وعلى نطاق أوسع، يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية في شرق البحر المتوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر باعتبارها جزءًا من محاولة لتعزيز الوصول إلى الممرات البحرية ومراكز النفوذ وشبكات الطاقة والاتصالات، وبناء علاقات أمنية مع أطراف إقليمية بما يغير موازين القوى.

 

وتمتد المخاطر إلى أمن الملاحة والتجارة والطاقة، لا سيما في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وشرق البحر المتوسط، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية مع خطوط الشحن الدولية وشبكات الإمداد. وقد تجد دول المنطقة نفسها مضطرة إلى تخصيص موارد أكبر للدفاع والتسلح، في وقت تتراجع فيه فرص التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي.

 

وفي ظل هذه الظروف، لا يكفي أن تكتفي دول المنطقة بإدانة السياسات الإسرائيلية أو التعامل مع كل أزمة على حدة، بل تحتاج إلى بناء مقاربة مشتركة تجمع بين احترام سيادة الدول، وتعزيز القدرات الدفاعية، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، وتطوير أدوات الضغط الاقتصادي والقانوني.

 

 

التقارب السعودي التركي الباكستاني.. فرصة لبناء توازن إقليمي

 

في هذا السياق، يطرح التقارب بين السعودية وتركيا وباكستان فرصة تستحق الدراسة. ويمكن النظر إلى «تحالف مكة» باعتباره تصورًا للتنسيق الاستراتيجي بين ثلاث قوى تمتلك موارد اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية متكاملة نسبيًا، وتجمعها مصالح تتعلق باستقرار المنطقة ومنع اختلالات موازين القوى التي تهدد سيادتها.

 

وتتمتع السعودية بثقل مالي وسياسي في الخليج، بينما تمتلك تركيا قدرات عسكرية وصناعية وموقعًا جيوسياسيًا محوريًا، في حين توفر باكستان خبرة عسكرية وقدرات دفاعية كبيرة وامتدادًا استراتيجيًا في جنوب آسيا.

 

غير أن أهمية هذا التقارب لا تكمن في إعلان تحالف جديد بحد ذاته، بل في القدرة على تحويل المصالح المشتركة إلى ترتيبات عملية. ويتطلب ذلك تحديد أهداف واضحة، ووضع آليات للتشاور خلال الأزمات، وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتبادل المعلومات والتدريب، وتنسيق المواقف إزاء انتهاكات السيادة والاحتلال، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والتكنولوجي.

 

كما يتطلب الاتفاق على أن يخدم أي تنسيق دفاعي الردع وحماية السيادة، لا أن يتحول إلى وسيلة لفرض هيمنة جديدة أو استهداف أطراف إقليمية أخرى.

 

ومن المهم أيضًا ألا تقتصر هذه العملية على الدول الثلاث، إذ يعتمد نجاح أي بنية مستدامة للأمن الإقليمي على قدرتها على استيعاب دول أخرى، ولا سيما مصر ودول الخليج والأردن، استنادًا إلى المصالح والقضايا المشتركة.

 

ويتطلب بناء توازن مضاد تهيئة ظروف تجعل فرض الإرادة بالقوة أكثر تكلفة وأقل فاعلية. وإذا نجحت السعودية وتركيا وباكستان، إلى جانب بقية دول المنطقة، في تحويل تقاربها تدريجيًا إلى تعاون مؤسسي، فقد تتشكل قاعدة أكثر صلابة لنظام أمني إقليمي يقوم على الردع المتبادل واحترام السيادة.

 

أما إذا استمرت الاستجابات المنفردة، فستحصل إسرائيل على مجال أوسع لتوسيع نفوذها، بينما ستواجه دول المنطقة أزمات متعاقبة دون امتلاك أدوات جماعية كافية للتأثير في مسارها.

 

Beyond Netanyahu: The regional challenge of Israeli expansionism